حكاية صديق النفس


عرفته فتى ضائعا في مسالك الحياة، محكوما بمفاعيل شبيبته مستميتا في إدراك غرض ميوله. عرفته زهرة لينة حملتها رياح النزق إلى لجة الشهوات. عرفته في تلك القرية صبيا شرسا يمزق بيديه أعشاش العصافير و يميت أفراخها. وعرفته في المدرسة قريبا من الغطرسة، بعيدا عن السكينة. و عرفته في المدينة شابا يعطي عاقلته لإبنة الكرمة. و لكنني كنتُ أحبه، محبة يساورها الأسف و يمازجها الإشفاق. أحبه لأن منكراته لم تكن نتائج نفس صغيرة، بل كانت مآتي نفس ضعيفة قانطة. أحببتُ ذلك الفتى و كنتُ مخلصا له لأنني رأيتُ حمامة ضميره تُغالب نسر سيئاته فتُغلب تلك الحمامة بقوة عدوها لا بجبنها.


مرت الأيٌام آخذة بأعناق الليالي، و أنا أذكر ذلك الفتى بغصات مؤلمة، و أردف اسمه بتنهدات تجرح القلب و تدميه، حتى وافاني بالأمس كتاب منه قال فيه: -تعالى إليٌ يا صديقي فأنا أريد أن أجمع بينك و بين فتى يسرٌ قلبك لقاؤه و تطيب نفسك بمعرفته... قلتُ: ويحي! أيريد أن يشفع صداقته المحزنة بصداقة آخر على شاكلته؟ أوَ لم يكن وحده أمثولة كافية لتعريف آيات الضلال؟ ثم قلتُ: إذهب فالنفس تجني من العوسج تينا بحكمتها، و القلب يستمد نورا بمحبته...و لما جاء الليل ذهبتُ فوجدتُ ذلك الفتى منفردا في غرفته يقرأ كتابا شعريا، فحييته مستغربا وجود الكتاب بين يديه و قلتُ: أين الصديق الجديد؟ قال: هو أنا يا خليلي، هو أنا. ثم جلس بهدوء ما عهدته فيه و نظر إليٌ و في عينيه نور غريب يخرق الصٌدر ويحيط بالجوارح. ثم قال بصوتٍ حسبته من غيره: إن ذاك الذي عرفتَه في الحداثة و رافقتَه يٌام المدرسة وماشيتَه في الشبيبة قد مات و بموته ولدتُ أنا. أنا

صديقك الجديد فخذ يدي. أخذت يده فشعرت عند الملامسة أن في تلك اليد روحا لطيفا يسري مع الدماء. ثم قلتُ -و ليتني أذكر غرابة ما قلتُ- :

من أنت؟ و كيف سرت؟ وأين صرت؟ قال: الحب العظيم قد جعل قلبي مذبحا طاهرا، هي المرأة يا خليلي، المرأة التي ظننتُها بالأمس ألعوبة الرجل قد أنقذتني من ظلمة الجحيم . المرأة الحقيقية قد ذهبت بي إلى أردن محبتها و عمدتني. تلك التي احتقرتُ أختها بغباوتي قد رفعتني إلى عرش المجد. تلك التي دنستُ رفيقتها بجهلي قد طهرتني بعواطفها. تلك التي أخرجت آدم من الجنة بقوة إرادتها و ضعفه قد أعادتني إلى تلك الجنة بحنوها و انقيادي. في تلك الدقيقة نظرت إليه فوجدتُ المدامع تتلألأ في عينيه، و الإبتسام يراود شفتيه، و شعاع الحب يكلٌل رأسه، فاقتربتُ منه و قبٌلتُ جبهته، ثم و دعته و رجعتُ مرددا قوله: 'تلك الٌتي أخرجت آدم من الجنة بقوة إرادتها و ضعفه قد أعادتني إلى تلك الجنة بحنوها و إنقيادي'.